رحلة إبنة سوهاج مع إحياء حرفة نساء الصعيد: تطريز التلي الأسيوطي

محتويات

مع قِدَم الحضارة المصرية وأصالتها، يأتي تراثاً فريداً من نوعه. ف”التلي الأسيوطي” حِرفة مصرية خالصة كانت يوماً ما تُزين ملابس سيدات مصر من عرائس الصعيد وصولاً إلى الملكة نازلي. وعلى الرغم من اندثار التلي الأسيوطي وتراجع شعبيته، إلا أن هناك بعض المحاولات لإعادة إحياء هذا التراث والحفاظ عليه.

الملكة نازلي يميناً، وشارلوت واصف،ملكة جمال مصر والكون عام 1935 يساراً (إضاءات)

“التلي فن وتراث نريد إحياءه ولا أبحث بالضرورة عن الربح. الفكرة إننا نريد إحياء تراث يُقال إنه من الصعيد،” هكذا شرحت أسماء خميس، مدربة الحِرَف التراثية وابنة سوهاج -وهي المحافظة التي تشتهر بحرفة التلي- سر شغفها بتطريز التلي الأسيوطي. إليك نظرة عامة لحِرفة التلي الأسيوطي وقصة أسماء منذ بداية تدربها في 2005 حتى اليوم.

في البداية إليك تعريف صناعة التلي. صناعة التلي المصرية تشير إلى تطريز التلي الأسيوطي وهي حرفة منتشرة بمحافظتي أسيوط وسوهاج خاصةً بين النساء، ويُستخدم بها خيوط معدنية من الذهب أو الفضة أو ما شابهها لتطريز الُطرَح والشالات والأثواب بأشكال وتصاميم مستوحاة من الطبيعة المصرية.

وَرَثَت أسماء شغف الحِرَف اليدوية عن جدتها. فقالت، “كان والد جدتي يسافر عبر محافظات مصر بحكم وظيفته، وكان يأخذها معه فتَعَّرَّفت على حِرفة كل محافظة. وأكثر بلد استفادت منها هي الفيوم لأن بها حرفاً كثيرة مثل الخوص والفُخار والغزل. فكانت جدتي تمارس العديد من الحِرَف.

أضافت، “كانت جدتي تمارس الفنون بالفطرة، فكانت تصنع أشياءً من قصاصات القماش وهذا حالياً يُسَمَّى باتش وورك [patch work] وهو من أرقى الفنون. هي لم تعرف قديماً أن هذا يعَدّ من الفنون.”

مثال على الباتش وورك

كما أضافت أسماء أن نشأتها وسط عائلة فنية شجعها على ممارسة الحٍرَف، فقالت، “كنت أرى في كل بيت من بيوت عماتي وخالاتي تابلوه بالايتامين والكنفا وما شابه. كان الكروشيه في كل البيوت تقريباً. كان الأمر يستهويني.”

وكانت صناعة التلي منتعشة في مصر خلال القرن ال19 وال20، لكن بدأت الأسر المحافظة في تجنبه بعد إقبال الراقصات الشعبيات على شراؤه. فبدأ في الاختفاء تدريجياً حتى قارب على الاندثار لولا بعض المبادرات للحفاظ عليه، على رأسها بيت التلي بمحافظة أسيوط.

وعندما تخرجت أسماء من الجامعة عام 2003 كانت متفرغة، ولم تَكُن تعرف شيئاً عن كيفية صناعة التلي، لكنها انجذبت لشكل المنتج، فأقدمت على تعلمه.

أضافت أسماء أن المعلومات لم تَكُن متوافرة على الإنترنت، فَبَذَلَت مجهوداً كبيراً للتَعَلُّم وجمع المعلومات بطُرُق أخرى. قالت أسماء، “تَعَّلَّمت على يد مدرب في جزيرة شندويل. كان هناك دورة تدريبية تابعة لجهاز المشروعات وكان يسمى الصندوق الاجتماعي. فكافحت لأن الدورة التدريبية لم تكن في بلدتي، وكانت مدتها 22 يوماً.

“وللحصول على المعلومات رجعت إلى بيت التلي في أسيوط حيث وجدت لديهم تاريخاً وتراث ويقولون معلومات صحيحة بطريقة مُرَتَّبة جداً.”

الصورة من صفحة بيت التلي

كما أضافت أسماء انها انضمت إلى حاضنات أعمال ساهمت بشكل كبير ف تطويرها. فحاضنة أعمال مسار بجامعة سوهاج ساعدتها على تسجيل العلامة التجارية الخاصة بها وهي Egyptally بالإضافة إلى حاضنة أعمال بجمعية الصعيد للتنمية التي ساعدتها على تطوير المنتج وإنشاء الجمعية التعاونية.

جانب من مشاركة أسماء في حاضنة أعمال مسار
أسماء مع مصمم الأزياء محمد سامي مع منتج غير تقليدي من التلي من تصميمه. قَدَّم محمد سامي محاضرة للمشاركين في جمعية الصعيد للتنمية.

ومن خلال صفحة Egyptally تتلقى أسماء الطلبات لمنتجات التلي وتقوم بتنفيذها بمعاونة فريق العمل المُشارك معها. كما تعلن من خلال الصفحة عن انطلاق الدورات التدريبية الخاصة بها.

لم تُطَبِّق أسماء ما تعلمته مباشرةً بعد انتهائها من الدورة التدريبية، بل استمرت في التَعَلُّم حتى أتقنت غُرزة التلي جيداً. فقالت، “أكملت بمفردي وعَمَلت مع نفسي كثيراً حتى وصلت الآن لمرحلة التدريب لأفراد داخل مصر وخارجها. فالحمد لله حققت نجاحًا في بناء اسمي في التدريب.”

تطريز التلي الأسيوطي
أحد قِطَع التلي من تنفيذ أسماء

وأضافت، “كنت أتعب في البحث، وأعمل على مشاريع الحِرَف اليدوية لأني أحب أعمل عليها، وليس لصالح أحد، أنا بالفعل لدي وظيفة حكومية بمؤهلي، لكن شغفي بكل الحرف اليدوية.”

شال من التلي من تنفيذ أسماء

تُقَدِّم أسماء دورات تدريبية حضورية في مصر وخارجها عبر الإنترنت. حيث يهتم أصحاب الجنسيات العربية المقيمين خارج مصر بتعلم تطريز التَلّي الأسيوطي، ويتعرفون على التدريبات من خلال أصدقائهم. كما يُعَبِّر المتدربون عن رضائهم عن التدريب حيث يصنعون منتجاً من التلي بأيديهم.

تسعى أسماء لجعل التدريب ممتعًا للجميع. فنظراً للتكلفة العالية للتدريب بسبب سعر الخامات، تبدأ أسماء باختبار بسيط لتقييم اهتمام المتدربين وقدرتهم على التعامل مع الأدوات قبل التزامهم بالدفع. فيتراجع البعض بعدما يجدون صعوبة في العمل على القماش، بينما يظهر آخرون حماسًا كبيرًا.

جانب من تدريب التلي تحت إشراف أسماء خميس

عَبَّرَت أسماء عن الصعوبات التي تواجهها لإيجاد الخامات المناسبة فقالت، “لدينا مشكلة نتكلم عنها منذ أن بدأ تاريخ التلي الحديث. فرغم أن التلي مصري تماماً، نضطر إلى جلب الخيط من الهند وتركيا وهناك من يجلبه من ألمانيا ودول أخرى حيث يحضره أحد المسافرين معه. لكن يجب ألا أشتري بعملة صعبة. لدينا الكثير من ورش الفضة في مصر. ما المانع أن نُصَنِّع خيطاً فضياً أو ذهبياً؟ الأمر ليس صعباً.”

مثال لشال مطرز بالتلي الأسيوطي

وَضَّحَت أسماء أن الأقمشة المصرية تتميز بنقائها القطني، لكنها أقل عرضًا من الأقمشة التركية المصنوعة من البوليستر. وأضافت أن عرض القماش يؤثر في طريقة العمل عليه؛ فالعرض الواسع يسهل عملية التقسيم والاستخدام. فقالت أسماء، “القماش التركي به جودة بدون قطن والقماش المصري قطن، لكن بدون جودة. أبحث عن خليط هذا القماش في منتج واحد.”

تعمل أسماء حالياً على توفير القماش بجودة عالية بعد أن اتفقت مع مصنع لتصنيع القماش بمواصفات قياسية. ثم رفع المحاضرات الخاصة بها عبر المنصات الإلكترونية التعليمية، حتى يتمكن الراغبون من تعلم حرفة التلي ثم تنفيذها بعد توافر الخامات من خلال المصنع المذكور.

كما تسعى أسماء حالياً إلى تأسيس جمعية تعاونية إنتاجية أو حرفية غير هادفة للربح لتوفير الخامات. وتعمل حالياً على إنجاز خطوات تأسيسها مع عدة هيئات حكومية.

تتميز كل دولة من دول العالم بحِرَفها اليدوية الخاصة التي تعكس ثقافتها المميزة. وتطريز التلي الأسيوطي يعكس جمال الصعيد والمهارات المتفردة لدى نساؤه. كما يفتح باباً من الإبداع اللا نهائي بتطبيقه على منتجات عدة. فبفضل جهود الحرفيين، يمكننا أن نرى هذا الفن التراثي يتطور ويتأقلم مع العصر الحديث، ليصبح رمزاً للأناقة والجمال في عصرنا الحالي.

أضف تعليق